Islam 4 me


الأكثر مشاهدة


المختارات

لماذا لم تقتل الملائكة في غزوة بدر أحدًا (2/2)

الصراع بين الحق والباطل لم يوجد في الكون صدفة

والمقصود أن الصراع بين الحق والباطل لم يوجد في الكون صدفة، بل كان قدرًا مقدورًا، قدَّره الله وقضاه ليعلم من ينصره ممن ينصر نفسه وهواه، فلا يتصورنَّ مسلمٌ أن يهلك الله الظالمين بالظالمين ويخرج من بينهم المسلمون سالمين.

 قدرة الله لن تنوب عن البشر

إن قدرة الله تتدخل في المعركة لتطمئن المسلمين وتبشِّرهم وتثبتهم وتدعمهم وتقويهم، لكنها أبدًا لن تنوب عنهم، ومن يحسب ذلك فإن مثله كمثل بني إسرائيل الذين قالوا لنبيهم: {فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَا هُنَا قَاعِدُونَ} [المائدة: 24].

 وهذا هو ما سجله القرآن في غير آية، يقول الله تعالى: {قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ} [التوبة: 14]، فهذه المعونة الإلهية مرهونة بوجود البشر في ساحة المعركة، لا يخافون ولا يفرون، ويقول تعالى: {وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى} [الأنفال: 17] إذا كانت رمية الله هي التي أصابت المقتل، فلماذا إذن طلب من محمد صلى الله عليه وسلم أن يرمي؟ لأن الرمية الربانية متوقفة على الرمية البشرية!

 فمن يطالع بطش المعتدين وتنكيل الصهاينة وغيرهم بإخوانه المسلمين، ثم يتكئ على أريكته مرددًا أن الله قادر على نصر إخوانه، ودحر أعدائه، فهو رجل ما عرف شيئًا عن القرآن؛ لأن القرآن يقولها واضحة صريحة: الله لن يفعل ذلك!

 نعم قال ذلك في سورة محمد، قال الله تعالى: {ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ} [محمد: 4].

 القرآن يؤكد أن الله لن ينتصر من الكافرين وحده

 يأمر الله بقتال الكافرين في موطن القتال، ويبين لهم أنه لو شاء لانتصر هو بنفسه منهم دون حاجة لأمر المسلمين بقتالهم: {ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ} غير أن هذا لن يكون. نعم إنه لم يشأ ذلك ولم يرده، وذلك معنى قوله تعالى: {وَلَكِنْ} أي ولكن لم يشأ أن ينتصر منهم بنفسه، بل شاء أن يكلفكم أنتم بقتالهم، لماذا؟ {لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ} أي ليختبر المؤمنين بالكافرين، ليختبر مدى إيمانهم حينما يقابل ببطش وشدة الكافرين، فعند الابتلاء تظهر الحقائق، وتتضح الخفايا، وتسجل المواقف، ورحم الله الفضيل بن عياض لما سمع قول الله تعالى {ونبلو أخباركم}، بكى وقال: «اللهم لا تبتلنا؛ فإنك إذا بلوتنا فضحتنا وهتكت أستارنا».

 نزلت الملائكة من السماء وحضرت المعركة لمهمة محددة ذكرها القرآن، قال تعالى: {وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [الأنفال: 10]، أي ما جعل الله هذا الإمداد الملائكي إلا بشرى للنفوس المتوترة، وتطمينًا للقلوب المتحيرة. ولا نريد أن نستطرد هنا في ذكر ما كان من أمر الملائكة يوم بدر؛ هل نزلت بالفعل أم لم تنزل[1]؟ وإذا كانت نزلت؛ فهل قاتلت أم لم تقاتل؟ وإذا كانت قاتلت؛ فهل قتلت أم لم تقتل؟[2]

 الملائكة نزلت وقاتلت لكنها لم تقتل

ونحن من أجْلِ ما صحَّ من الأحاديث، نرى أنها نزلت وقاتلت عرَضًا إلى جانب مهمتها الرئيسة؛ وهي التثبيت والتطمين، لكن أن تكون قتلت أحدًا بالفعل، فهذا ما لم يثبت في حديث صحيح واحد.

 

 كل ما جاء بحسب علمنا عن القتل — بعد البحث والتفتيش لسنوات طوال — هو حديث واحد، وهو مع وحدته ضعيف، وهو الحديث الذي رواه أحمد بن حنبل في مسنده عن يزيد، أخبرنا محمد بن إسحاق، عن أبيه، قال: قال أبو داود المازني: «إني لأتبع رجلًا من المشركين لأضربه إذ وقع رأسه قبل أن يصل إليه سيفي، فعرفت أنه قتله غيري». والحديث ضعفه الأرناءوط في تعليقه على المسند، وقال: إسناده ضعيف لإبهام الواسطة بين إسحاق بن يسار والد محمد وبين أبي داود المازني. يزيد: هو ابن هارون. وأخرجه الدولابي في "الكنى" 1/69 عن أبي بكر مصعب بن عبد الله، عن يزيد بن هارون، بالإسناد الثاني، وأخرجه كذلك الطبري في "تفسيره" 4/77 من طريق سلمة بن الفضل، عن محمد بن إسحاق، به. وهو في (سيرة ابن هشام) 2/286 عن ابن إسحاق بالإسناد الثاني[3]، وقال إبراهيم العلي في كتابه (صحيح السيرة النبوية)[4] عن رواية أحمد هذه: «وسنده حسن»، ولكن أنَّى له الحسن وفيه هذا الانقطاع؟!

 

[1] - وقد ذهب الطبري شيخ المفسرين إلى أن الجزم بالنزول أو عدمه يحتاج إلى دليل، ولا دليل.

 

[2] - وقد أنكر الشيخ رشيد رضا قتالها؛ ومن ثم قتلها أحدًا.

[3] - مسند أحمد، طبعة الرسالة (39/195).

 

[4] - صحيح السيرة النبوية (181).