Islam 4 me


الأكثر مشاهدة


المختارات

محاكم التفتيش... صورة من صور التعصب الأعمى

في حفل افتتاح ندوة التراث العربي في مايو 1997، اعتذر الرئيس البرتغالي جورج سمبابو عما اقترفه أجداده في حق العرب المسلمين أثناء محاكم التفتيش، وفي صلاة يوم الأحد الموافق الثاني عشر من مارس عام 2000، اعترف البابا يوحنا الثالث بأن الكنيسة قد ارتكبت عبر محاكم التفتيش ذنوبًا وأخطاء بحق الآخرين خلال الألفي سنة الماضية، وطلب أمام الملأ الصفح والغفران؛ فما هي محاكم التفتيش؟

ما بين القوة والوهن

فتح المسلمون الأندلس سنة 92هـ، وأقاموا هناك حضارة زاهرة كانت سببًا في انتقال أوروبا من الظلمات إلى النور، وظل المسلمون في تلك البلاد ما يقرب من ثمانية قرون، عاشوا أغلبها مع مَن رفض اعتناق الإسلام في جوٍّ من التسامح لم يشهد الزمان مثله، غير أن مسلمي الأندلس قد ألفوا حياة الرفاهية والمتعة، وتمكنت منهم الدنيا، فتنافسوها فيما بينهم، وشبت بينهم الحروب التي أنهكتهم وأضعفتهم، ودفعت بعضهم للاستنصار والاستقواء بالأعداء المتربصين على الإخوة في الدم والدين، فما أشبه الليلة بالبارحة!

ومهما يكن من أمر، فقد كانت نتيجة الضعف والفرقة والتناحر بين حكام المدن الأندلسية الذين عرفوا بملوك الطوائف، أن فشلوا وذهبت ريحهم، ومكنوا بذلك أعداءهم المتربصين بهم من طردهم من تلك الأراضي، فأُخرجوا من مدن الأندلس مدينة تلو الأخرى، حتى سقطت غرناطة؛ آخر تلك المدن، في يناير عام 1492م، بعد أن أُحكم عليها الخناق من كل جانب، فوقَّع أبو عبد الله الصغير مع فرديناند وإيزبيلا؛ مَلِكَي إسبانيا الكاثوليكيين، اتفاقية استسلام نصت على سبعة وستين بندًا.

اتفاقية التسليم

نصت تلك الاتفاقية على تأمين سكان مدينة غرناطة من المسلمين على أموالهم وأنفسهم وديارهم، وأن يتقاضوا إلى شريعتهم، مع ضمان حرية الاعتقاد وبقاء مساجدهم وأوقافهم، وألا يدخل الكاثوليكي دار مسلم، وألا يولَّى على المسلمين إلا مسلم، ولا يُلزم المسلم بوضع علامة مميزة، ولا يُمنع مؤذن ولا مصلٍّ ولا صائم من ممارسة شعائر دينه ... إلخ. وقد وقَّع على هذه الاتفاقية الملك الإسباني والبابا في روما، وكان التوقيعان كافيين لكي تكون المعاهدة ضمانة للمسلمين.

وفي اليوم التالي، خرج أبو عبد الله الصغير؛ آخر حكام غرناطة الأبية من بني الأحمر، يحمل مفاتيح مدينته وهو يبكي كالنساء على ملكه الزائل الذي عجز عن الدفاع عنه كالرجال، فأعطاها للملكة إيزابيلا وزوجها فرديناند، اللذين كانا يحاصران قرطبة بجيش جرارٍ؛ ذكرت المراجع أنه زاد على النصف مليون.

والسؤال الذي يطرح نفسه: هل التزم الإسبان بهذه الاتفاقية أم لا؟

لم يلتزموا البتة بنص الاتفاقية؛ ففي السنة التالية بعد مغادرة أبي عبد الله الصغير إلى مدينة فاس بالمغرب، بدأ الكاثوليك في اضطهاد المسلمين بشكل غير معلن، ولكن في عام 1499م أضحى الاضطهاد علنًا، فتم إحراق جميع الكتب والمخطوطات الإسلامية في ميدان باب الرملة بغرناطة، بعد أن أُجبر سكانها على تسليم ما لديهم من كتب الفقه والحديث والتفسير، ثم صدرت قرارات بتعميد أبناء المسلمين قسرًا في كافة مدن غرناطة، ومنع المسلم من ممارسة شعائر عقيدته ولغته تحت زعم حماية غرناطة من الكفر.

التنصير أو الرحيل

ثم صدر قرار يطالب المسلمين بالتنصر أو الرحيل عن الأندلس، وبناء عليه كان على المتنصرين أن يحملوا أسماء نصرانية، ويمارسوا طقوس الديانة المسيحية، وأن يشربوا الخمر ويأكلوا لحم الخنزير، وأن يمسكوا عن الزواج على طريقة المسلمين، ثم صدر مرسوم بابوي في عام 1524م يطالب المسلمين بالتحول إلى المسيحية أو مغادرة البلاد خلال فترة وجيزة، ومن لم يفعل ذلك يصبح عبدًا ويظل يرزح في العبودية مدى الحياة، وفي نهاية المرسوم طالب البابا بتحويل كافة المساجد إلى كنائس.

أهوال محاكم التفتيش

 وفي مقدمة المساجد التي تحولت إلى كنائس مسجد غرناطة الجامع، وعندما ثار المسلمون على هذا الفعل قمعت ثورتهم بوحشية، وحُرق حوالي 200 من علماء المسلمين في الميدان الرئيس بالمدينة، كما حظر التحدث باللغة العربية، وممارسة كافة الطقوس والشعائر والعادات التي لها صلة بالإسلام، ومن كان يخالف ذلك يعاقب بالسجن في المرة الأولى، والإعدام — إن ثبتت عليه تلك التهمة — في المرة الثانية. وبدأت محاكم التفتيش تمارس عملها بحثًا عن المسلمين في كل مكان، أو المتنصرين ظاهرًا ويبطنون الإسلام.

لم يتوقف الأمر عند هذا، بل مورس ضد المسلمين أمام محاكم التفتيش التي رأسها القساوسة ورجال الكنيسة أبشع أنواع التعذيب؛ من حرق على أعواد الخشب وهم على قيد الحياة، ونشر أجسادهم بالمناشير، وتقطيع للأوصال، ونزع للأظافر، والجلد، والكي بالحديد المحمي، وخلع الشعر، والإخصاء، ووضع الملح على الجروح الغائرة، والزج بهم في السجون التي تكثر بها العقارب والحيات، وتقديمهم وجبات لحيوانات مفترسة تم تجويعها لفترة من الزمن إلخ. كل هذه العذابات كي يُفتن المسلمون في دينهم، ولم يُستثن من هذه البشاعات أحد، فحتى النساء مورس ضدهن أقسى أنواع التعذيب.

الموريسكيون

دفعت كل هذه الأهوال المسلمين الضعفاء، بعد أن خُيروا بين الرحيل إلى أفريقيا أو البقاء كمسيحيين، إلى هجرة بعضهم، وبقاء البعض الأخر مظهرًا المسيحية، وقد عُرف هؤلاء باسم "الموريسكيون" أو "المسيحيون الجدد أو المتخفون أو الضعفاء"، وقد عوملوا باحتقار من المسيحيين القدامى، وكان ينظر إليهم بعين الريبة، كما كان يشك أيضًا في مسيحيتهم؛ ولذلك شُرع في خضوع هؤلاء لمحاكم ودواوين التفتيش، وزُجَّ بهم في سجون هذه المحاكم للتحقق من صدق إيمانهم، ومن كان يثبت عليه الإسلام كان يموت حرقًا؛ رجلًا كان أو امرأة، شيخًا أو طفلًا.

المفتشون الكنسيون

وقد قام بهذا الدور البابوية ورجال الكنيسة ممن أطلق عليهم: المفتشون، وجنودها الذين جابوا الأراضي الأندلسية للبحث عن كل من له علاقة بدين الإسلام؛ للقضاء عليه، واستئصال شأفته من تلك الأراضي. وقد كان لهؤلاء المفتشين صلاحيات منحتهم الكنيسة إياها جعلت منهم قضاة يصدرون الأحكام الفورية دون مراجعة.  

ولم ينج من هذا المحاكم أحد، فشملت اليهود والمسيحيين البروتستانت والمسلمين، ولكن كان جام غضب البابوية منصبًّا على المسلمين الذين وصفتهم بالزندقة والهرطقة، وادَّعت أنها تطهرهم بالقتل.

وقد استمرت محاكم التفتيش تمارس عملها ضد المسلمين ما يقرب من 365 سنة، حتى تم إلغاؤها رسميًّا في عام 1835م، بعد أن محت تمامًا آثار الوجود الإسلامي في الأندلس، حتى قال الشاعر:

لا تعجبن من هالك كيف هوى *** بل فاعجبن من سالم كيف نجا

وأخيرًا، من يستنطق ما بين السطور أعلاه يظن أننا نعيش زمن ملوك الطوائف؛ من ضعف ووهن وفرقة، واستنصار بالأعداء المتربصين، وتصارع من أجل البقاء على الحكم، بغض النظر عن ثمن هذا البقاء، والوسيلة التي يبقى بها هؤلاء الحكام. وقد كانت تلك الظواهر سببًا في خروج العرب المسلمين من الأندلس، ولكن السؤال المطروح حاليًّا: ماذا سيحدث لنا نحن الآن؟ هل سنخرج من التاريخ؟ أم أننا خرجنا بالفعل؟ الإجابة لك عزيزي القارئ.