Islam 4 me


الأكثر مشاهدة


المختارات

الأُخوة الإيمانية في غزوات الرسول

لم تعرف البشرية دينًا يمجد القيم الأخلاقية الإنسانية كما عرفته في ظل الإسلام ورسالته السامية؛ فالإسلام كعقيدة وشريعة وسلوك قائم على سعادة الإنسانية وحياتها الكريمة التي لا تكون إلا بالأخلاق، ففي الحديث النبوي الشريف: «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق». وكأن الرسالة النبوية التي خطت طريقها عبر التاريخ إنما جاءت لغاية عظمى تتعلق بمكارم الأخلاق، وما أحوج الإنسانية المعاصرة التي أرهقتها الحياة المادية وصراعاتها إلى أن تستظل بقيم الإسلام ومبادئه وأخلاقه؛ وسوف نعرض في السطور التالية لقيمة من أهم القيم الأخلاقية في الإسلام وهي الأُخوَّة الإيمانية.

الأُخوَّة العامة

 أكد الإسلام على معنى هام من معاني الإنسانية، وهو مبدأ الأُخوَّة العامة؛ فالناس جميعًا يرجعون إلى أصل واحد، وهم متساوون أمامه كأسنان المشط، بل كان تحقيق معاني الأخوة بين الناس — كل الناس — أمرًا من أوامره، وواجبًا من واجباته؛ حيث قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِير} [الحجرات: 13].

الأخوة الإيمانية

والأخوة الإيمانية التي تجمع المسلمين نعمة من الله على الأمة، قال تعالى: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ۚ وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُون} [آل عمران: 103].

كما جعل الإسلام من أُخوَّة المنتسبين إليه دعامة من دعامات بنيانه الصلب، وسببًا أصيلًا من أسباب انتصاره على خصومه، قال تعالى: {وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ * وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيم} [الأنفال: 62، 63]. 

إن الأُخوَّة الإيمانية — كما تحدثت عنها الآيات السابقة — هي روح الإيمان الحي، ولباب المشاعر الرقيقة التي يكنها المسلم لإخوانه، حتى إنه ليحيا بهم ويحيا لهم، فكأنهم أغصان انبثقت من شجرة واحدة، أو روح واحد حلَّ في أجسام متعددة.

إن روح الأُخوَّة الصادقة في سيرة النبي مع أصحابه ألمع بريقًا من النجوم في ظلمة الليل الصافي؛ كيف لا وهؤلاء هم الأنصار يستقبلون إخوانهم المهاجرين بصدور فرحة، ووجوه مستبشرة، يقاسمونهم أموالهم ودورهم وضياعهم رافعين شعار: «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا»؟

أركان دولة المدينة

وقد كان بناء دولة الإسلام بعد الهجرة قائم على أركان ثلاثة؛ أولها: بناء المسجد بما يمثله من صلة بين الأرض والسماء، وثانيها: أخوة إسلامية بما تمثله من قوة للمجتمع والدعوة والدولة الناشئة، وثالثها: دستور عام يحدد الحقوق والواجبات، ويصون حقوق المواطنين والأقليات. 

وقد جعل الرسول هذه الأُخوَّة عقدًا نافذًا لا لفظًا فارغًا، وعملًا يرتبط بالدماء والأموال، لا تحية ترددها الألسنة، ولا يقوم لها أثر. ومعنى هذا الإخاء أن تذوب عصبيات الجاهلية، فلا عصبية إلا للإسلام، وأن تسقط فوارق النسب واللون والوطن، فلا يتقدم أحد أو يتأخر إلا بمروءته وتقواه.

تقديم أخوة الدين

أما عن ملامح هذه الأخوَّة التي سيطرت على المسلمين في بداية عهدهم بالغزو والقتال، فما كان لأهل المدينة من خلاف مع قريش أو غيرها من قبائل العرب، وما خرجوا في غزوة بدر 2ه مضحين بأرواحهم وأموالهم إلا دفاعًا عن المهاجرين، ونصرة لهم على من ظلمهم، وأَخَذَ أموالهم، وأَخْرَجهم من ديارهم.

خرج المسلمون مهاجرين وأنصارًا في ثلاثمائة وأربعة عشر رجلًا، معهم من الإبل سبعون، ومن الخيل فَرَسانِ؛ فكان الثلاثة منهم يتعاقبون على البعير الواحد، وكانت نهاية الغزوة شاهدة على تقديم الصحابة لأُخوَّة الدين على أخوَّة النسب؛ فقد وقع بعض المشركين في أسْر المسلمين؛ كأبي عزيز، أحد إخوة مصعب بن عمير، فكان مصعب يوصي من أسَره أن يتمسك به، وألا يسمح بفدائه إلا بمبلغ كبير؛ لأن أمه كانت من أثرياء مكة.

 نخوة مسلم

وفي أعقاب بدر، كانت غزوة بني قينقاع 2ه؛ حيث خان اليهود عهدهم مع الرسول، وكشف تاجر منهم عورة امرأة من نساء المسلمين كانت بسوق بني قينقاع. فلما استنجدت بمن في السوق من الناس، قام مسلم إلى اليهودي فقتله، وقام اليهود إلى المسلم فقتلوه، وكان من نتائج ذلك أن جهز النبي جيشه لهم وقاتلهم حتى أجلاهم عن المدينة.

نُصرةً لعثمان

لقد كانت روح الأخوَّة معلمًا بارزًا وسمة مهمة في غزوات الرسول؛ ففي العام السادس الهجري، أرسل النبي عثمان بن عفان إلى مكة يخبر أهلها بأنه قادم ومن معه من المسلمين حُجَّاجًا إلى بيت الله الحرام، ولكن قريشًا احتجزت عثمان، وشاع بين الناس أنهم قتلوه، فتبايع الصحابة على قتال قريش نُصرةً لعثمان، وكانت بيعة الرضوان.

ضرورة التفعيل الإيجابي للأخوة

ولا شك أن عالمنا اليوم في أشد الحاجة إلى استلهام هذه القيمة الإسلامية المهمة بفهم شامل دقيق، وسلوك واعٍ قابل للتحقيق؛ لينظر إلى الإنسانية جميعًا وفق مفهوم الأُخوَّة العامة التي يدعمها التعارف والحوار والتقارب، لا الصراع والتناحر، وإدراك أن التفاضل بين البشر لا يكون إلا وفق أسلوب التفكير، وطبيعة العمل والسلوك.