Islam 4 me


الأكثر مشاهدة


المختارات

سر نجاح عبد الرحمن بن عوف في التجارة

كانت التجارة هي العمل الذي احترفه عدد كبير من سادة قريش نتيجة ظروف وطبيعة البيئة التي كانوا يعيشون فيها، وقد حققوا من خلالها ثروات ضخمة، ومن الذين عرف عنهم ممارسة التجارة، وتحقيق الثروة والربح الصحابي الجليل عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه، الذي قال الرسول ﷺ في حقه إنه أمين في أهل الأرض أمين في أهل السماء.

ينتمي عبد الرحمن بن عوف إلى بني زهرة. ولد بعد عشرة أعوام من عام الفيل. شب عفيف النفس، سمح الخلق، سخي اليد فكانت يداه مبسوطتان بالعطايا. كما تشرب بالعادات العربية الأصيلة كالوفاء والأمانة والصدق، عزف عن المآثم الشائعة في بلاد العرب كعبادة الأوثان، حرم على نفسه الخمر. كان شغوفا بالسفر فتعلم التجارة.

وقد أسلم بن عوف قبل أن يدخل الرسول دار الأرقم بن أبي الأرقم، ولما اشتد إيذاء المشركين في مكة للمسلمين هاجر مع من هاجر إلى الحبشة، ثم عاد عندما هدأت الأمور بعض الشيء في مكة.

هاجر بن عوف بعد ذلك من مكة إلى المدينة شأنه شأن بقية المسلمين الأوائل الذين تركوا ديارهم وأموالهم وأهليهم وأوطانهم في سبيل الله، وهناك حاول رسول الله أن يزيل ما بهم من وحشة ويخفف ما بهم من غربة فآخى بين المهاجرين والأنصار، وكان سعد بن الربيع الخزرجي من نصيب عبد الرحمن بن عوف.

وذات مساء قال ابن الربيع لابن عوف: يا أبا محمد أنا أكثر أهل المدينة مالا فانظر شطر مالي فخذه، ولي زوجتان فأنظر أيتهما أعجب إليك حتى أطلقها لك. في مشهد من أرقى مشاهد التضحية والإيثار، فرد بن عوف عليه قائلا: أخي بارك الله لك في أهلك ومالك، لا حاجة لي في أهلك ومالك، ولكن إذا أصبحت فدلني على سوقكم. وفي اليوم التالي خرج أبو محمد إلى السوق فباع واشترى وربح ثم عاد ومعه سمن ولبن. وهنا تتجلى عفة نفس عبد الرحمن بن عوف، وحرصه على أن يأكل من عمل يده حتى لا يكون عالة على أحد، وترفعه عن أن تكون يده هي السفلى.

 ثم لبث ما شاء الله أن يلبث فزادت ثروته واتسعت تجارته، فجاء رسول الله ﷺ وعليه ثوب به طيب من زعفران. فقال له رسول الله: كيف حالك؟ فقال: يا رسول الله تزوجت امرأة. قال: فما أصدقتها؟ قال: وزن نواة من ذهب. قال: أولم ولو بشاة.

وقد كان عبد الرحمن رجلا محظوظا إذا جاز لنا هذا التعبير، حتى أن عبد الرحمن بن عوف يحدث عن نفسه فيقول: " لو رفعت حجرا رجوت أن أصيب تحته ذهبا أو فضة ".

كثر مال عبد الرحمن بن عوف حتى قدمت له في يوم من الأيام قافلة تكونت من سبعمائة راحلة تحمل القمح والدقيق والطعام، فلما دخلت القافلة المدينة سمع أهلها رجة، وعندما سمعت أم المؤمنين عائشة ضجيج القافلة قالت: ما هذا؟ فقيل لها: قافلة لابن عوف، فقالت: قافلة تصنع كل هذا؟، لقد سمعت رسول الله ﷺ يقول: عبد الرحمن بن عوف لا يدخل الجنة إلا حبوا.

فلما علم عبد الرحمن ما قالته أم المؤمنين عائشة ذهب إليها واستفسر عما قالت فأخبرته بقول رسول الله في حقه، فقال: يا أمه! إني أشهدك أنها بأحمالها وأحلاسها في سبيل الله. وفي رواية أخرى قال: إن استطعت لأدخلنها قائما، فجعلها بأقتابها وأحمالها في سبيل الله. وهنا يظهر سخاء عبد الرحمن بن عوف وجوده.

ثم زادت ثروة عبد الرحمن بن عوف مع الأيام نتيجة ممارسته التجارة، وقد انعكس ذلك على مظهره فكان يلبس البرد أو الحلة تساوي خمسمائة أو أربعمائة.

وبعد رحلة طويلة مع التجارة ترك عبد الرحمن بن عوف ألف بعير، وثلاثة آلاف شاة، ومائة فرس ترعى بالبقيع. ناهيك عن الأراضي.

وعندما سأله بعض أصحابه: يا أبا محمد بما أدركت في التجارة ما أدركت؟

قال عبد الرحمن بن عوف: لم أشتر معيبا، ولم أرد أن أربح كثيرا، والله يبارك لمن يشاء.

لخص عبد الرحمن بن عوف سر ثرائه في جمل بسيطة وهي: التجارة في السلع غير المعيبة، والربح القليل، وبركة الله له.

رضي الله عن عبد الرحمن بن عوف

د / محمود عبدالله