Islam 4 me


الأكثر مشاهدة


المختارات

تعريب الدواوين

إن استعمال العربية في الدواوين المالية أمر يختلف عن تعريب هذه الدواوين، فاستعمال العربية شيء وتعريب الدواوين شيء آخر. فالأمر الثاني يفترض أنه الوقت الذي أصبحت فيه اللغة العربية اللغة الوحيدة التي يُكتب بها في الديوان ولا لغة سواها. هذا التعريب الذي حدث في وقت محدد في كل من الشام والعراق ومصر وخراسان، يختلف عن استخدام العربية كلغة إدارة في الدولة ضمن لغات أخرى، لم يكن بمقدور الإدارة العربية الإسلامية الاستغناء عنها في بادئ الأمر.

معنى لفظة الديوان:

والديوان لفظة فارسية الأصل، لها صلة بكلمة "دبير" ومعناها "الكاتب" وقد أطلقت في أيام الفتوح الإسلامية على السجلات التي كانت تشمل على حساب أموال الدولة، ثم أصبح يضاف في العصر العباسي إلى كل فرع من فروع الإدارة العباسية فيقال ديوان الزمام وديوان التوقيع وهكذا.

تدوين الدواوين في عهد عمر:

ونظام الديوان نظام مستحدث في الدولة الإسلامية ظهر على عهد الخليفة الثاني عمر بن الخطاب عندما توالت الفتوح وتدفقت الأموال من الأقطار المفتوحة. فاقتضت الحال اتخاذ نظام لتقييد أسماء المقاتلة وقبائلهم ومبالغ أعطياتهم. فاستشار عمر ذوي الرأي على عادته في كل أمر حازم وحدث مهم. فأشاروا عليه بوضع الديوان.

فكون عمر لجنة لتدوين الجند وبيان أسماءهم وأنسابهم وأعطياتهم على نظام اتفق عليه، فكان من ذلك الديوان المعروف بديوان الجيش. وهو أول ديوان وضع في الدولة الإسلامية وكان يحرر بالعربية من أول أمره. ثم تلاه ديوان آخر هو ديوان المال أو الجباية.

الدواوين في العصر الأموي:

كانت دواوين الدولة في العصر الأموي على نوعين: النوع الأول: الدواوين المركزية، وهي استمرار لدواوين الجند التي أنشأها الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه في الأمصار الإسلامية الرئيسة، ولغة هذه الدواوين هي العربية. أما النوع الثاني: فهي الدواوين المحلية، وهي دواوين الخراج التي وجدها العرب المسلمون في الأقاليم التي حرروها، وكانت تكتب باللغات المحلية.

وجرى العرف على أن تستعمل الدواوين في البلاد المفتوحة في كتابة سجلاتها لغة الدولة التي كانت لها السيادة عليها قبل الفتح، فكانت دواوين العراق وخرسان تستعمل الفهلوية (الفارسية)، وكانت دواوين الشام تستعمل اليونانية (الرومية)، وكانت دواوين مصر تستعمل اليونانية والقبطية، وقد استخدمت العربية جنبا إلى جنب هذه اللغات.

موظفي الدواوين قبل التعريب:

وجرى العرف أن يتولى شئون هذه الدواوين أهالي البلاد المفتوحة؛ فكان عمال ديوان العراق من موالي فارس، وعمال ديوان الشام من الروم وعمال ديوان مصر من الروم والقبط، وذلك لإدارة دفة الأمصار، والإدارة المالية بالتحديد، فلم يكن باستطاعة المسلمين أن يغيروا الأوضاع القائمة بين عشية وضحاها، ولأن خلق جهاز إداري جديد يحتاج إلى وقت طويل، إذا أن الحصول على الكادر المؤهل ليس بهذه البساطة تمامًا، كالاستغناء عن المؤهلين الذي لم يكن باستطاعة الدولة العربية الجديدة أن تقوم به فور نجاح الفتح. ولم تكن قلة خبرة العرب هي الأساس في الموضوع، إذ احتاج العرب أناسًا قادرين على مخاطبة الأهالي بلغتهم فكان لا بد من استخدام من يحسن ذلك، لافتقارهم لمن كان باستطاعتهم التعامل مع الأهالي باللغة التي يعرفونها. ومن هنا بدأ استعمال العربية إلى جانب اللغات الأخرى، إذ لا بد للدولة أيضًا من معرفة ما يجرى.

التدرج في التعريب:

ومع ازدياد استخدام الموظفين العرب أو المستعربين الذين دخلوا الإسلام في الدواوين، زاد استعمال العربية الذي سيتبعه بالضرورة الاستغناء عن العناصر الأجنبية ولغتها، تلك الخطوة بالذات تمثل الفترة التي سميت بفترة تعريب الدواوين، وهي البداية المنظمة أو النقطة الحاسمة في الولايات الإسلامية التي بدأ فيها الاستغناء عن الموظفين الأجانب ولغاتهم يتبع خطة مرسومة نفذت بالتدريج، إذ لم يكن بالإمكان اصدار القرار وتنفيذه فورًا، ففهم الموضوع على هذا المنوال يعتبر تبسيطًا للأمور.

تعريب عبد الملك للدواوين:

اتجهت الدولة في خلافة عبد الملك بن مروان ومن بعده من الخلفاء إلى تعريب الدواوين، انسجاما مع سياستها العامة في بلوغ الوحدة في مجال الفكر والثقافة والإدارة والسياسة على أساس العربية والإسلام، ومن أجل رفع مستوى الإشراف على أداء هذه الدواوين، فعربت دواوين الخراج في العراق هام 78ه، وفي الشام عام 81ه، وفي مصر عام 87ه، وفي خراسان عام 124ه، ودون ونظم حسان بن النعمان الدواوين في بلاد أفريقية عام 83ه.

دوافع التعريب:

          كانت للعوامل المالية والاقتصادية أثر مهم في تعريب دواوين الخراج، فالقائمين على أمر هذه الدواوين من غير العرب كانوا يحصلون على أموال طائلة من عملهم، مما أثر سلبًا على واردات بيت المال واقتصاد الدولة، لذا كان التعريب خطوة من الخطوات التي اتخذت في اتجاه ترشيد الفقات وإعادة تنظيم طريقة جباية الضرائب في الأقاليم، وضبط أعمال الدواوين والإشراف الدقيق عليها، فيمنع الغش والتزوير، وهو بذلك جزء من خطة الإصلاح المالي الذي كانت الدولة بحاجة ماسة إليه آنذاك.

وكان يهدف الخليفة عبد الملك بن مروان إلي تحقيق وحدة الدولة وتماسكها، بتوحيد النظم المالية والإدارية، وإنهاء التأثيرات الشعوبية والعنصرية.كما إن بقاء اللغات الأجنبية مستعملة في الدواوين يعني بقاء الموظفين من غير العرب أو من غير المسلمين، مما سيؤدي إلى منافسة هذه اللغات للغة العربية، ويضعف كيان الدولة، وذلك يتعارض مع سيادة الدولة واستقلالها.

أثر تعريب الدواوين:

أصبحت اللغة العربية هي لغة الدواوين ولغة الدولة، وقد أفادت العربية الفصحى ألفاظا جديدة كثيرة، فظهرت في العربية ألفاظ إما معربة أو منقولة عن أصولها الأعجمية المستعملة في الحساب والمساحة والزراعة والتجارة والصناعة مما لم يكن للمسلمين عهد به من قبل.

ولما كانت اللغة العربية هي التي تؤهل صاحبها إلى الوظائف والمناصب العالية، فقد أصبحت لها المكانة الممتازة، وأقبل الأعاجم مسلمين وغير مسلمين على تعلمها واتقانها بعامل المصلحة الذاتية، وذلك للانتظام في أعمال الكتابة والخراج وما يتصل بهما،فكونت في الدواوين طبقات من الموظفين المثقفين حصلوا على قدر من الثقافة العربية، ونبغوا في الكتابة والآداب العربية ومن أظهر الأمثلة في ذلك: عبد الحميد الكاتب، ثم كبار الكتاب في عهد بني العباس.

وأهم النتائج التي ترتب على تعريب الدواوين من حيث مستقبل الثقافة الإسلامية أن أصبحت اللغة العربية الأداة الوحيدة للتخاطب ولتبادل الآراء والأفكار في العالم الإسلامي الذي كان يمتد إذ ذاك من حدود الهند والصين إلى سواحل المحيط الأطلسي.

مراجع للاستزادة:

  • عبد الحميد العبادي، ثلاثة حوادث من التاريخ الإسلامي ساعدت على نمو اللغة وانتشارها، مجلة مجمع اللغة العربية، مصر، ج9، 1957م.
  • محمد ضيف الله بطاينة، دراسة في تاريخ الخلفاء الأمويين، الأردن، 1999م.
  • فالح حسين، استعمال العربية في الدواوين المالية قبل عبد الملك بن مروان وبعده، مجلة دراسات تاريخية، سوريا، مج7، ع21، 22، 1986م.