Islam 4 me


الأكثر مشاهدة


المختارات

الورق عند العرب والمسلمين

في سهل أشبه بوادٍ يمر به نهر طلاس (طراز) ويقع في قرغيزستان أو جمهورية قرغيزيا حاليًّا، نشبت معركة بين جيش المسلمين الذي كان بقيادة القائد زياد بن صالح الحارثي (ت: 135هـ)، وجيش الصين بقيادة كاوسيان شيش (كوشا)، وذلك في ذي الحجة من عام 133هـ، الموافق لشهر تموز (يوليو) من عام 751م؛ أي في بداية العهد العباسي وفي ظل حكم أسرة تانغ الصينية؛ حيث انتصر المسلمون في هذه المعركة انتصارًا ساحقًا.

مصنع للورق في سمرقند

ما يستوقفنا في هذه المعركة أمر مهم يعطي لهذه المعركة أهميتها ودورها وبُعدها الحضاري والإنساني؛ إذ بعد المعركة التي راح ضحيتها عدد كبير من الجنود الصينيين، وجد المسلمون بين الجنود الأسرى عددًا من الذين كانت مهنتهم في الأساس صناعة الورق وصقله وتجهيزه. فقرر قائد جيوش المسلمين حينها أن ينشئ مصنعًا للورق في سمرقند، وما لبث أن طلب منه الخليفة أن يرسل له جمعًا من العمال ليقوموا بإنشاء مصنع مماثل في بغداد.

مكة والمدينة أهم سوقين للورق

وخلال فترة زمنية محدودة، انتشرت مصانع الورق في ديار الخلافة كانتشار النار في الهشيم، وأصبح في كل مدينة مصنع للورق يتفاخر به أبناؤها على غيرهم من أبناء المدن الأخرى؛ فهذا عراقي، وذاك دمشقي، وآخر مصري أو طرابلسي أو مقدسي أو قيرواني ... وهكذا إلى أن دخلت صناعة الورق أوروبا. وخير دليل على هذا الانتشار الواسع لمصانع الورق هو أن مدينة فاس المغربية في القرن الثاني عشر الميلادي، وخلال فترة حكم السلطان الموحدي يعقوب المنصور وابنه محمد الناصر ضمت أكثر من أربعمائة مصنع لإنتاج الورق، غير أن مكة المكرمة والمدينة المنورة، وبسبب موسم الحج فيهما، بقيتا أهم سوقين للورق عرفتهما الإنسانية؛ حيث كان حجاج بيت الله الحرام يشترونه من الوراقين ويحملونه مع أثقالهم لديارهم، وأحيانًا العكس؛ يحملونه معهم من بلدانهم بأنواعه ويبيعونه للوراقين هناك.

الورق قبل الإسلام

كان العرب في الجاهلية يستخدمون كل ما أمكنهم الكتابة عليه، وذلك مثل عُسُب النخيل وأصول السعف التي تسمَّى الكرانيف، وصفائح الحجارة البيضاء المسمَّاة باللخاف، وعظام أكتاف الإبل، وقطع الجلد الأديم، أو ما كان منه مُصنعًا كالرق، إضافة إلى قراطيس البردي والقباطي، وأيضًا المَهارِق التي هي عبارة عن قطع من قماش الحرير الأبيض كانت تطلى بالغراء. واستخدموا كذلك لحاء الشجر المدهون بطلاء أبيض، أو المكسو بالشمع، وكتبوا عليه نصوصًا قصيرة نسبيًّا. وقد اشتهرت في صدر الإسلام بعض المدن العربية؛ كصعدة في اليمن ونجران وصنعاء، والكوفة، بصناعة الرق؛ أي الورق المصنوع من الجلود.

الفسطاط أهم مركز لإنتاج البردي

يعود اهتمام العرب بالورق إلى بداية الفتوحات؛ حيث كثرت حينها الحاجة إليه في المراسلات والدواوين التي لم تكن بعدُ منظمة. وعندما فتحوا مصر أرض الكنانة اهتموا بالورق أيما اهتمام؛ ولهذا نجدهم — وكما ذكر ابن عبد الحكم — قد أقاموا مساكنهم حول مصانع القراطيس، فغدت الفسطاط في حينها أهم مركز لإنتاج ورق البردي في الوقت الذي انتشرت فيه مصانع ورق البردي حول الإسكندرية، ومنطقة شرق الدلتا، والفيوم، وأسيوط، التي كانت تضم مصنعًا لإنتاج نوع خاص متميز من ورق البردي.

 كواغد بغداد عطلت قراطيس مصر

وكانت مصانع البردي في مصر تنتج سبعة أنواع، منها الغالي النفيس والرخيص، وكان أجودها وأغلاها ثمنًا هو المستخدم في دواوين الخلافة، حتى إن الخليفة الأموي عمر بن عبد العزيز قد أمر بالاقتصاد في استعمال الورق بسبب غلاء ثمنه. ومما يذكر في هذا المجال أن ورق البردي في حينها كان يزدان أعلاه ببعض العبارات المسيحية، وعندما عرََّب الخليفة عبد الملك بن مروان الدواوين استبدلها بعبارات إسلامية؛ كالحمدلة والحوقلة والبسملة ... فرفضت بيزنطة عندها استيراده، ثم ما لبثت أن اضطرت لذلك بسبب حاجتها إليه. وفي عام 193هـ/ 808م، أصدر الخليفة العباسي هارون الرشيد أمرًا باستخدام الورق الجديد في كل دواوين الخلافة والمراسلات. ومع ذلك بقيت مصانع ورق البردي في مصر مزدهرة حتى نهاية العصر الطولوني، ثم توقفت سنة 323هـ، فردَّد المؤرخون حينها عبارتهم الشهيرة: «كواغد بغداد عطلت قراطيس مصر». وبقي في مصر مصنعان لصناعة البردي في منطقة الدلتا. وذكر ابن حوقل أن سلطان صقلية قد أبقى على أحد مصانع البردي لينتج له قدر حاجة ديوانه من الورق.

تطور صناعة الورق

قام العرب والمسلمون في بداية الأمر بتطوير صناعة الرقائق المصنوعة من الجلود، فخرجت من بين أيديهم أكثر ليونة، بل أصبح في الإمكان محو الخطوط التي كتبت عليها واستخدامها أكثر من مرة؛ ومن ثم فعلوا الشيء نفسه مع الورق الجديد، حيث أضافوا عليه من كل النواحي إن من حيث المادة الخام المستخدمة في التصنيع، أو طريقة التصنيع نفسها، أو من حيث الشكل؛ فمن ناحية المادة أضافوا إلى الخرق البالية وألياف القنب ولحاء شجر التوت — التي كان يصنع منها الصينيون — مواد جديدة تمثلت في الكتان والقطن والنشاء والطحين وألياف الحلفاء وغيرها، وأما من ناحية طريقة التصنيع والتجهيز، فلقد أدخلوا تقنيات جديدة مكنتهم من تصفية العجينة وتنقيتها من الشوائب التي تسيء إلى شكل الورق وملاسة سطحه، فخرجت صفائح الورق من بين أيديهم ملساء ناعمة خلت من الشوائب التي تعيق قلم مستخدمه، وأضافوا أيضًا مواد وتقنيات جديدة على عملية صقل الورق بعد تصنيعه، بحيث أصبح من الممكن استخدام فرخ الورق أكثر من مرة، وكذلك استخدموا وسيلة الضغط لتكون الورقة أرق وأخف وزنًا؛ ومن ثم أضافوا على العجينة الألوان، فكان منه الأصفر والأحمر والأزرق والأخضر، والأبيض بدرجاته من الناصع إلى الأسمر والسكري إلخ.

تعدد أنواع الورق

تعددت أنواع الورق بتعدد مصانعه أو المدن التي ينتج فيها، فكل مدينة تنتج نوعية خاصة من الورق من حيث المقاس والسُّمك (الوزن) وطبيعة الورق نفسه، فهذا ورق طبخ بالمسك أو العنبر، أو بعطور النباتات العطرية الأخرى، جعلوه خاصًّا لكتابة المصاحف الشريفة، والأحاديث النبوية، والسيرة النبوية العطرة، ولرسائل الخلفاء والسلاطين، وآخر مصقول الوجهين بلمعة من الممكن غسله واستخدامه أكثر من مرة، وذاك من الممكن حكه، وآخر أدخلوا عليه إبداعاتهم التجميلية والتزويقية فرَقّشوه أو زَخْرفوه. وإذا كان الورق في البداية حمل أسماء المدن التي صنع فيها، فإنه ما لبث أن تعددت أسماؤه طبقًا لمواصفات نوعية من حيث اللون والمقاس والسُّمْك، فعرف من أنواعه: الكاغد الديواني والسلطاني والسليماني والطلحي والجعفري والنوحي والفرعوني والطاهري والمصري والحموي والبغدادي، الذي كان أجودها على الإطلاق، بينما اعتبر القلقشندي أفضلها ما كان ناصع البياض صقيلًا، متناسب الأطراف، صبورًا على مرور الزمان، أيًّا كانت جهة صناعته.

إن انتشار صناعة الورق أدت بدورها إلى انتشار الكتاب، فنتج عن ذلك ثورة ثقافية وعلمية لا تقل بأية حال من الأحوال أهمية عن الثورة التي أحدثتها برامج المعلوماتية وأجهزة الحاسوب في أيامنا هذه ...!

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المصدر: جريدة الحياة، السبت، ٢٦ سبتمبر / أيلول ٢٠١٥م، بتصرف.