Islam 4 me


الأكثر مشاهدة


المختارات

مسجد المدينة

كانت مكة أحب أرض الله إلى نبيه صلى الله عليه وسلم، فيها المسجد الحرام، وهي موطن الوحي، ويقطنها أهله وأحبابه وأقاربه، وبها مآثر أبيه إبراهيم، ولهذا كان لها مكانة عظيمة في نفسه صلى الله عليه وسلم.

خلوا سبيلها

وقد اضطر النبي أن يترك بلده الذي يحبه مهاجرا إلى الله فدخل المدينة في ضحى يوم الاثنين الثاني عشر من شهر ربيع الأخر بعد ثلاث عشر سنة من مبعثه راكبا ناقته القصواء، وكلما مر بعشيرة من أنصاره رجوه أن ينزل فيهم وقالوا: يا رسول الله أقم عندنا والعدة والمنعة، فيجيبهم خلوا سبيلها إنها مأمورة، فجاوزت به بني مالك بن النجار، وبركت في المكان الذي بنى فيه مسجده. ثم أخذ أبو أيوب خالد بن زيد رحله ووضعه في منزله.

الإسلام دين ودولة

وهكذا استقر النبي في المدينة المنورة ليقيم دولته، دولة تنصر العدل وتحارب الظلم، يتساوى بها الغني والفقير، والأبيض والأسود، تقام بها تلك الشريعة التي جاء بها أفضل الخلق، وبالتالي فلا داعي للجدل العقيم حول أن الدين علاقة بين العبد وربه فالإسلام دين ودولة، ولذا كان لابد لهذه الدولة من مؤسسات لكي يحقق من خلالها محمد النبي والحاكم أهدافه.

بناء المسجد

 وكان أول عمل أقدم عليه النبي في المدينة المنورة هو بناء المسجد الجامع، وقد تخير له مكانا في وسط المدينة، لما له من أهمية ومكانة، فأوسط الشئ أفضله، وقد اختار النبي أفضل مكان في المدينة لإقامة أفضل مؤسسة في دولة الإسلام.

إن شئت فخذ منازلنا

ولحرص المسلمين من الأنصار على مساعدة النبي في تحقيق مأربه حاول كل بيت من بيوت الأنصار أن يهب للنبي كل ما تبقى من أرض تجاور منازلهم تصلح للبناء ليبني مسجده، حتى قالوا يا نبي الله: " إن شئت فخذ منازلنا"، فشكرهم النبي وقال لهم قولا لينا.  وقد اشترى للمسجد قطعة أرض كانت لغلامين يتيمين من أولاد الأنصار كانا في كفالة أسعد بن زرارة، الذي كان أول داع للاسلام في المدينة قبل هجرة النبي، وقد حاول أسعد أن يمنحها للنبي ويدفع هو ثمنها، فرفض النبي وأصر على أن يأخذها بالثمن، فاشتراها بعشرة دنانير من مال أبي بكر الصديق.

وقد روى الزهري أن ناقة رسول الله التي هاجر عليها قد بركت في موضع مسجده، وكان جدارا لا سقف له أقام عليه أسعد بن زار الجماعة والجمعة بالمسلمين شطر المسجد الأقصى قبل قدوم النبي إلى المدينة وقبل أن يبني صلى الله عليه وسلم عليه مسجده.

اللهم ارحم الأنصار المهاجرين

وقد أشرف النبي على بناء مسجده بنفسه، وجعل يبني معهم وينقل الحجارة والطوب اللبن بنفسه. وعندما رأى صحابة رسول الله ما يقوم به نبيهم من جد ونشاط في أداء مهمته راحوا ينشدون:

لن قعدنا والرسول يعمل .....لذاك منا العمل المضلل

لا عيش إلا عيش الأخرة .... اللهم ارحم الأنصار والمهاجرة

فيجيبهم الرسول صلى الله عليه وسلم.

لا عيش إلا عيش الأخرة .... اللهم ارحم الأنصار والمهاجرة.

وقد وصف الله سبحانه وتعالى هذا المسجد في القرآن فقال: ﴿لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ. ﴾ سورة التوبة الأية 108.

وقد اتخذ النبي بلال بن رباح مؤذنا لهذا المسجد. ومنذ ذلك اليوم تحول المسجد إلى مؤسسة دينية متشعبة المهام في شتى المجالات: القضائية والعلمية والاجتماعية والسياسية.

وكان النبي يجمع المسلمين بمسجده ويقف فيهم خطيبا، وقد اتحذ في أول الأمر جذع شجرة كان يتكأ عليه، ثم اتخذ منبرا من ثلاث درجات، فصار المنبر منذ ذلك الوقت رمزا للخطابة الدينية والسياسية.

كما اتخذ النبي له خطيبا من الأنصار هو ثابت بن شماس كان يتولى الخطابة بين يدي النبي في المسجد عند استقبال النبي صلى الله عليه وسلم لوفود القبائل العربية المبايعة له.

دور المسجد التعليمي

وقد كان لمسجد النبي صلى الله عليه وسلم دور تعليمي منقطع النظير، ففيه كان النبي يجلس ليقضي بين الناس في القضايا التي تمس الدين والدنيا، كما كان صحابة النبي من المهاجرين والأنصار يجلسون ملتفين حوله حلقات يسمعون آيات الذكر الحكيم، ويسمعون لوعظ النبي لهم. كما كانوا يجلسون حول قراء النبي وكتاب وحيه يسمعون منهم آيات القرآن وتفسيرها كي يحفظونها.

الصفة وأهلها

كما ظل المسجد النبوي لفترة من الزمن سكنا لفقراء المسلمين المهاجرين الذين فروا من قبائلهم وذهبوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم لما علموا بهجرته، وقد أسكنهم النبي مكانا في مؤجرة مسجده عرف بالصفة وعرف قاطنيه بأهل الصفة، وقد ظل هؤلاء يسكنون المسجد منقطعين للعبادة، وتعلم القرآن وحفظه والتفقه في أحكامه وتدارس الحديث والسنة، وكان نقيبهم الصحابي الجليل أبو هريرة. وقد كان الرسول يجري عليهم الطعام من أموال الصدقة، كونهم من أبناء السبيل الذين تقطعت بهم الأسباب، وقد صار هذا أصل الأوقاف التي أصبحت تحبس لطلبة العلم بعد ذلك.

مهام المسجد 

وما لبث أن تعددت مهام المسجد، وأصبح المسلمون يتناقشون فيه في أمور دولتهم، ويتخذون فيه قرارات إعلان الحرب أو الهدنة والصلح مع القوى السياسية والدينية داخل جزيرة العرب وخارجها، فكأن المسجد عند قيام دولة الإسلام كان بمثابة دار ندوتهم أو مجلس شورتهم.

ومع انتشار دعوة النبي وبلوغها الأسماع في شتى الأقطار عقب فتح مكة ومعركة تبوك، تقاطرت الوفود إلى النبي محمد من كل حدب وصوب للتأكد من صفته التي وردت في التوراة والإنجيل، وقد كان النبي ووزيراه، أبا بكر وعمر، وأصحابه يجلسون في المسجد وهم يرتدون أنظف وأحسن الثياب كي يستقبلوا الوفود التي تفد إليهم، ويدعوهم إلى الإسلام، ويأخذوا منهم البيعة على السمع والطاعة والجهاد في سبيل الله والانضواء تحت راية الإسلام.

كل هذا الحراك الديني والدعوي والاجتماعي والسياسي كان موطنه مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، باعتباره أهم مؤسسة في دولته، فلم يكن المسجد معبدا أو مقرا للصلاة وحدها بل كان شأنه شأن الإسلام نفسه متكاملا في مختلف جوانب الدين والسياسة والاجتماع. ولذلك خرج منه جيل قاد الدنيا وعمرها.